الشيخ محمد رشيد رضا

10

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )

* * * ( 5 ) أَلا إِنَّهُمْ يَثْنُونَ صُدُورَهُمْ لِيَسْتَخْفُوا مِنْهُ ، أَلا حِينَ يَسْتَغْشُونَ ثِيابَهُمْ يَعْلَمُ ما يُسِرُّونَ وَما يُعْلِنُونَ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ هذا بيان مستأنف لحال المشركين وصفتهم عند تبليغهم الدعوة وإقامة الحجة ، افتتحت بأداة التنبيه ليتأملها السامع ويتصورها في صفتها الغريبة الدالة على اعراض الحيرة والعجز ومنتهى الجهل ، يقال ثنى الثوب إذا عطف بعضه على بعض فطواه ، وأثناء الثوب اطواؤه ومطاويه ، وثناه عنه لواه وحوّله ، ثناه عليه أطبقه وطواه ليخفيه فيه ، وثنى عنانه عني أي تحول وأعرض ، وثنى عطفه أي أعرض بجانبه تكبرا ، ومنه في المجادل في اللّه بغير علم ( ثانِيَ عِطْفِهِ لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ ) والاستخفاء محاولة الخفاء ومنه ( يَسْتَخْفُونَ مِنَ النَّاسِ وَلا يَسْتَخْفُونَ مِنَ اللَّهِ ) واستغشاء الثياب التغطي بها ومنه قوله تعالى حكاية عن نوح عليه السّلام ( وَإِنِّي كُلَّما دَعَوْتُهُمْ لِتَغْفِرَ لَهُمْ جَعَلُوا أَصابِعَهُمْ فِي آذانِهِمْ وَاسْتَغْشَوْا ثِيابَهُمْ وَأَصَرُّوا وَاسْتَكْبَرُوا اسْتِكْباراً ) وهو بمعنى ما نحن فيه أَلا إِنَّهُمْ يَثْنُونَ صُدُورَهُمْ فسر بعضهم ثني الصدور هنا بالاعراض التام ، والاستدبار للرسول عند تلاوة القرآن ، وهو أبلغ من ثني العطف والجانب ، وفسره آخرون بطيها على ما هو مكنون فيها من الكراهة والعداوة له صلّى اللّه عليه وسلّم ، والأقرب أن يكون تصويرا لما كان يحاوله بعض الكفار ثم المنافقين عند سماع القرآن من الاستخفاء بتنكيس الرأس ، وثني الصدر على البطن كما يطوى الثوب ، حتى يخفى فاعله بين الجمع ، خجلا مما فيه من القرع والصداع ، فالمعنى ألا إن هؤلاء الكافرين الكارهين لدعوة التوحيد يحنون ظهورهم وينكسون رؤوسهم كأنهم يحاولون طيّ صدورهم على بطونهم عند سماع القرآن وهو معنى بليغ وواقع وأدنى إلى التعليل بقوله لِيَسْتَخْفُوا مِنْهُ أي من النبي صلّى اللّه عليه وسلّم عند تلاوته للقرآن فلا يراهم عند وقوع هذه القوارع على رؤوسهم ، أو ليستخفوا مما هم فيه من الشأن المظهر لخزيهم وجهلهم ، المثبت لعجزهم ، وهو الذي كان يتبادر إلى فهمي كلما تلوت الآية أو سمعتها قبل الاطلاع على شيء